البخاري

تصدير 86

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

كرامته عن امتهانها لأفضال الناس ، ويحقن ماء وجهه من أن يراق في سؤال . * * * وصبر النفس على مشقة هذه الأحوال مظهر عظيم لصدق العزم ولكنه لا يظهر هنا بمثل قوته في مسلك الزهد الذي ارتضاه عن طواعية واختيار ، فقد رضى التقشف ، وخشن العيش ، لا من ضيق اليد عن الوجد ، ولا عن شح الطبع لبذل المال ، وإنّما هو العزوف عن الدنيا ونعيمها ، وهما في يمينه ، ورهن إشارته ، فقد كان - رضي اللّه عنه - موسرا ، وقد ورث عن أبيه مالا جليلا ، كان يستثمره في المضاربة ، وبلغ من سعة ماله أن اغتاله أحد المضاربين في خمسة وعشرين ألف درهم ، وبلغ من وفرة ربحه أنّه أخذ في صفقة واحدة خمسة آلاف درهم ، ورفض ما عرض عليه من ضعفها ، ( هدى الساري 2 - 195 ) . ولو أراد أن يعيش في هذا المال عيش المترفين لفعل ، ولكنه اكتفى منه بما يمسك الرّمق ، وعزف عن النعيم حتّى لا يقف مسؤولا عنه يوم الحساب ، فاقتصر على أقل القليل من الأكل ، واجتزأ بالخبز القفار عن الإدام ، فإذا كلف أن يأتدم تطبيبا لعلة ، لم يقبل أن يزيد على الخبز غير سكّرة ، ( هدى الساري 2 - 195 ) . وصدق البخاري في زهده أورثه فضيلة الكرم ، وطبعه على الجود فيما ينفع ويبقى عند اللّه ، وقد سمعه محمّد بن أبي حاتم يقول : « كنت أستغلّ في كل شهر خمسمائة درهم ، فأنفقها في الطلب ، وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى ( هدى الساري 2 - 195 ) .